عن هيئة التنسيق:
صدر حديثا كتاب جماعي بعنوان "فلسفة الموقف: مطالعات في الفلسفة السياسية عند إدريس هاني"، وهو عمل يتجاوز، من عتبة عنوانه، الصيغة المعتادة للكتب التي تجمع دراسات حول مفكر أو تجربة فكرية مستغرقة في الشخصي والذاتي. فالكتاب لا يكتفي بتقديم صورة عن صاحب المشروع أو إعادة عرض بعض محطات حياته وأفكاره، وإنما يحاول أن يضع منجز إدريس هاني أمام سؤال أكثر استشكالا : هل نحن أمام مواقف سياسية متفرقة، أم أمام مشروع فكري أخذ يتبلور في صورة فلسفة سياسية لها مفاهيمها وأسئلتها ورهاناتها؟.
وفي هذا
السياق يأتي هذا الكتاب الجماعي الجديد ليعيد تقديم وتأويل "فلسفة
الموقف" عند إدريس هاني، كاشفا عن الحضور الكثيف الفلسفي للسياسي في مشروعه الفكري، وعن الكيفية التي
يغادر بها الموقف حدود الانحياز إلى الحدث ليغدو طريقة في قراءة العالم ومساءلة
السلطة وإعادة بناء المعنى. ويحمل الكتاب عنوان "فلسفة الموقف: مطالعات في
الفلسفة السياسية عند إدريس هاني»"، وهو عمل لا يكتفي بالتعريف بالتجربة
الشخصية لإدريس هاني ، بل يحاول نقلها من فضاء الشهادة والانطباع إلى فضاء القراءة
النقدية والتحليل المفاهيمي.
وهنا تحديدا
تبدأ أهمية الكتاب. فالمشكلة في الثقافة العربية المعاصرة ليست ندرة الكتابات عن
المفكرين بقدر ما هي ندرة القراءات التي تجعل من إنتاج المفكر موضوعا للفحص
النظري. لأن كثيرا ما تتحول الكتابة حول
المفكر إلى سيرة فكرية أو شهادة شخصية أو إعادة عرض لأفكاره، بينما يظل السؤال
الأهم مؤجلا: ما البنية التي تنتظم فيها هذه الأفكار؟ وما المفاهيم التي تمنحها
وحدتها؟ وكيف يتغير تصورنا للسياسة حين نعيد تركيبها من داخل هذا الجهاز
المفاهيمي؟
واللافت أن
الكتاب نفسه ينتبه إلى هذا التحدي؛ إذ تقدم اللجنة مشروعها باعتباره محاولة لتجاوز
القراءات الانطباعية نحو تشريح نقدي نسقي، مع التأكيد على عدم تحويل إدريس هاني
إلى "أيقونة" أو بناء نسق مغلق حوله، وإنما فتح المجال للمساءلة والحوار
مع نصوصه وأفكاره، بما في ذلك مساءلة حدود النظرية وإمكانات فاعليتها. وهذه نقطة
أساسية، لأنها تجعل قيمة العمل مرتبطة بقدرته على إنتاج مسافة نقدية من موضوعه، لا
بمجرد التعاطف معه.
ولعل اختيار "فلسفة الموقف" عنوانا للكتاب ليس
اعتباطيا، فالموقف هنا لا يحيل إلى موقف سياسي عابر، وإنما إلى تصور للعلاقة بين
المعرفة والفعل والقيمة. وضمن التصور الذي تقترحه اللجنة، يصبح الفعل المعرفي نفسه
حاملا لموقف أخلاقي ووجودي، فيما تتجاوز المقاومة معناها المباشر لتصبح صراعا على
اللغة والذاكرة وحق تسمية الأشياء وصياغة السرديات والمساهمة الفاعلة لا المنفعة
فيها. ومن هنا تظهر مفاهيم مثل "المناعة السردية والحضارية"
و"المواطن مفاهيم مثل "المناعة السردية والحضارية" و"المواطن
الراوي"، حيث لا يعود الإنسان مجرد موضوع في سردية يصوغها الآخرون. وهذه
النقلة من المقاومة بوصفها فعلا سياسيا إلى المقاومة بوصفها صراعا على إنتاج
المعنى من أكثر المداخل إثارة في الكتاب. فالهيمنة لا تعمل فقط عبر المؤسسات
والقوة والاقتصاد، وإنما يمكن أن تعمل أيضا عبر التحكم في الذاكرة والسرد
والتسمية. وفي هذا السياق تتقاطع بعض القراءات مع أسماء كبرى في الفكر النقدي، من
إدوارد سعيد وغرامشي وفانون ودوسيل إلى ريكور وفوكو وأرندت وغيرهم، بما يكشف
محاولة وضع مشروع إدريس هاني داخل أفق أوسع من أسئلة ما بعد الاستعمار والهيمنة
والتحرر.
وتتأكد هذه
الرغبة في تعدد زوايا النظر من بنية الكتاب نفسه. فهو يجمع بين الشهادات
والانطباعات من جهة، والدراسات والقراءات التحليلية من جهة أخرى. أما الدراسات فتنتظم
في محاور تتناول ما بعد الاستعمار والصمود والمقاومة، وراهن العالم العربي
والإسلام السياسي، والجيوستراتيجيا ونقد الهيمنة وتحولات النظام الدولي، ثم المثقف
والمشروع ودراسة النص والمصطلح والبنية المفاهيمية. وهذا التنظيم يكشف أن الكتاب
لا يريد اختزال إدريس هاني في موقع واحد، بل يحاول قراءته بوصفه صاحب مشروع تتقاطع
فيه الفلسفة السياسية والنقد ما بعد الاستعماري والتحليل الجيوسياسي والاشتغال على
التراث والانخراط في المجال العمومي.
ومن هنا تأتي أهمية هذا العمل الجماعي نفسه.فالمشروع لا
يصدر عن مبادرة فردية معزولة، بل يكتسب الكتاب أيضا دلالته من الشبكة البحثية
والمؤسساتية التي شاركت في الإشراف والدعم، إذ ساهم في إنجازه مركز مسارات
للدراسات الفلسفية والإنسانيات بتونس، ومجمع أفريقيا للدراسات والتوثيق والنشر
بتونس، ومركز دلتا للدراسات المعمقة ببيروت، ومركز اتحاد الخبراء الاستراتيجيين
ببغداد، ومركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية بالسودان، والمجمع الفلسفي
العربي ببغداد. كما شارك في الكتاب أساتذة وباحثون ومفكرون من المغرب وتونس ومصر
وسوريا وفلسطين ولبنان والعراق وغيرها من الأقطار العربية. وهو عمل يكشف في سياق مليء بالانحطاط والتفاهة عن
محاولة لبناء فضاء عربي متعدد المراكز لتداول الأفكار؛ إذ ينتقل مشروع إدريس هاني،
عبر هذه الشراكات، من نطاق التجربة الفكرية الفردية إلى مجال أوسع تتقاطع فيه
الفلسفة السياسية مع الدراسات الاستراتيجية والجيوسياسية وقضايا التحرر وما بعد
الاستعمار.وهو ما يفتح أمامه مجالا لتداول فكري يتجاوز المركز الواحد. كما أن
تقديم الأستاذ برونو دريوسكي Bruno Drweski، الأستاذ بالمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس INALCO، يمنح
الكتاب مدخلا آخر إلى أسئلة التحرر والمقاومة والعدالة ذات الامتداد العالمي.
فتقديم أكاديمي أوروبي للكتاب ليس
مجرد قيمة اعتبارية؛ بل يبين إلى أي حد
يمكن للأسئلة الحقيقية أن تتحول إلى مشروع يحظى بالاعتراف خارج الحدود الوطنية عبر
ارتباطه بقضايا التحرر والصراع العالمي. ارتباطه بقضايا التحرر والصراع العالمي.
وهنا تكمن
قيمة الكتاب الحقيقية: فهو لا يطلب من القارئ أن يتفق مع إدريس هاني بقدر ما يدعوه
إلى أن يقرأه باعتباره مشروعا ينبغي أن يناقش. فالفكر الجاد لا يحتاج إلى حصانة
التبجيل، وإنما يحتاج إلى الدخول في المجال العمومي للمعرفة، ومن هذه الزاوية، لا
تبدو "فلسفة الموقف" مجرد مطالعات في مفكر بعينه، بل محاولة لطرح سؤال
أوسع على الفكر العربي المعاصر: هل يستطيع أن ينتقل من التعليق على التاريخ الشخصي
للمفكرين لذي مكانه الطبيعي هو السيرة والرواية إلى إنتاج المفاهيم التي تمكنه من
فهمه والمشاركة في صنعه عبر تحويل نصوص
المفكرين إلى أطر نظرية تساعد في فهم الراهن؟


تعليقات
إرسال تعليق