كيف تقيمون واقع تدريس مادة الفلسفة داخل
المؤسسات التعليمية؟
يمكن القول إن تدريس الفلسفة في المدرسة المغربية يعيش مفارقة واضحة: فمن جهة، تحظى المادة بمكانة اعتبارية في الخطاب التربوي باعتبارها رافعة للتفكير النقدي وبناء الشخصية المستقلة وترسيخ قيم الحوار والمواطنة؛ ومن جهة أخرى، تعاني ممارستها الفعلية من اختلالات بنيوية وبيداغوجية وتدبيرية. فقد استطاعت الفلسفة، بفضل جهود المدرسات والمدرسين، أن تحافظ على حضورها داخل المؤسسات التعليمية، غير أن هذا الحضور لم يواكبه تجديد حقيقي للمنهاج والبرامج والكتب المدرسية وطرائق التقويم. فنحن ما زلنا نشتغل، إلى حد كبير، بمنظومة برامج ومضامين عمرت أكثر من عشرين سنة، في وقت تغير فيه العالم بصورة جذرية. لذلك أصبح من الضروري الانتقال من تدريس الفلسفة بوصفها مجموعة من المذاهب والمفاهيم والنصوص إلى ممارستها باعتبارها فعلاً للتفكير والتساؤل والتحليل والنقد والإبداع.
هل أصبحت تعاني من التهميش داخل المنظومة
التعليمية؟
لا يمكن الحديث عن تهميش مطلق للفلسفة، لأن المادة ما
تزال حاضرة في التعليم الثانوي التأهيلي وفي الامتحانات الإشهادية، لكن يمكن
الحديث عن تهميش وظيفي وتدبيري يتجلى في عدم مواكبة مكانتها المعرفية والتربوية
بالإمكانات البشرية والديداكتيكية والمؤسساتية اللازمة. فالفلسفة ليست مادة
تكميلية أو ترفاً معرفياً، بل هي إحدى الأدوات الأساسية لتكوين مواطن قادر على
التفكير المستقل ومساءلة الخطابات ومقاومة التضليل والتطرف. وتزداد أهميتها اليوم
مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وتدفق المعلومات. إن المدرسة
التي لا تمنح الفلسفة المكانة التي تستحقها تخاطر بتكوين أجيال تمتلك المعلومات، لكنها
لا تمتلك بالضرورة أدوات فحصها ونقدها وإنتاج المعنى من خلالها.
أثارت الجمعية موضوع الخصاص الحاد في أطر
التدريس، الذي ناهز ألف أستاذ. أين يتركز هذا الخصاص؟ وما انعكاسات ذلك على تدريس
المادة؟
لقد
نبهت الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة إلى أن الخصاص الوطني يناهز ألف أستاذ
وأستاذة، وهو خصاص تراكم بصورة مقلقة، خصوصاً خلال الولاية الحكومية 2016-2021،
دون أن تتم معالجته بالوتيرة المطلوبة. ولا يتعلق الأمر بإشكال معزول في جهة
بعينها، بل باختلال وطني تتفاوت حدته بين الأكاديميات والمديريات الإقليمية،
وتزداد آثاره في المؤسسات التي تعرف توسعاً في العرض المدرسي أو صعوبة في استقطاب
الأطر المتخصصة. وينبغي إنجاز تشخيص وطني محين يحدد بدقة مواقع الخصاص وحجمه.
أما
الانعكاسات، فتتمثل في ارتفاع عدد الأقسام المسندة إلى الأستاذ الواحد، وتعدد
المؤسسات التي يشتغل بها، وتقليص فرص المواكبة والتتبع والتقويم، فضلاً عن اللجوء
أحياناً إلى إسناد المادة لغير المتخصصين. والنتيجة هي المساس بمبدأ تكافؤ الفرص
بين المتعلمين، لأن جودة التعلمات تصبح مرتبطة بمدى توفر الأستاذ المتخصص في
المؤسسة، وهو أمر غير مقبول تربويا.
هل أصبح إسناد تدريس مادة الفلسفة إلى غير
المتخصصين حلاً اضطرارياً؟ وما تأثير ذلك على التحصيل الدراسي وجودة التعلمات؟
نعم،
أصبح إسناد تدريس الفلسفة إلى غير المتخصصين، في بعض الحالات، إجراءً اضطرارياً
تفرضه أزمة الخصاص، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ممارسة عادية أو سياسة تدبيرية
دائمة. فتدريس الفلسفة ليس مجرد نقل لمعلومات أو شرح لنصوص، بل هو ممارسة معرفية
ومنهجية تتطلب تكويناً فلسفياً متخصصاً، وإلماماً بتاريخ الفلسفة ومفاهيمها
وإشكالاتها، فضلاً عن امتلاك الكفايات الديداكتيكية اللازمة لتدبير النقاش وبناء
الوضعيات الإشكالية وتوجيه التفكير النقدي.
ولا
يعني ذلك التقليل من كفاءة الأساتذة غير المتخصصين، وإنما التأكيد على أن خصوصية
المادة تقتضي تكويناً متخصصاً. إن إسنادها خارج هذا التخصص قد يؤدي إلى اختزال
الدرس الفلسفي في التلقين والحفظ واستنساخ المواقف والأجوبة الجاهزة، مما يؤثر
سلباً في التحصيل الدراسي وفي طبيعة العلاقة التي يبنيها المتعلم مع التفكير
الفلسفي. ولذلك نعتبر أن الحل الحقيقي هو معالجة الخصاص، وليس التطبيع معه.
ما الإجراءات الاستعجالية التي تطالبون
بها كجمعية لحل مشكل الخصاص وما يترتب عنه من آثار سلبية على تدريس المادة؟
تطالب
الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة باتخاذ إجراءات استعجالية ومندمجة، في مقدمتها
إطلاق برنامج وطني استثنائي لتوظيف أساتذة متخصصين في الفلسفة، وفق خريطة دقيقة
للخصاص على المستوى الوطني، مع إعطاء الأولوية للمديريات والمؤسسات الأكثر تضرراً.
كما
نطالب بتخصيص المناصب المالية الكافية لتغطية الخصاص المتراكم، وإعادة النظر في
تدبير الموارد البشرية بما يضمن التوزيع العادل للأطر المتخصصة، والحد من تكليف
غير المتخصصين بتدريس المادة إلا في الحالات الاستثنائية والمؤقتة، مع توفير
التكوين والمواكبة اللازمين.
وندعو
كذلك إلى إحداث لجنة وطنية مشتركة بين الوزارة والجمعية لتتبع وضعية تدريس
الفلسفة، وإعداد تقرير سنوي حول الموارد البشرية والبنيات التربوية وجودة
التعلمات. فالمطلوب ليس فقط سد الخصاص العددي، بل ضمان الحق في تعليم فلسفي ذي
جودة، باعتباره حقاً تربوياً ومعرفياً لجميع المتعلمين.
ما أبرز الصعوبات المهنية والبيداغوجية
التي تواجه أستاذ مادة الفلسفة داخل الفصل الدراسي؟
تتعدد
هذه الصعوبات، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة مستويات. أولها صعوبات مرتبطة بالمنهاج
والبرامج، التي لم تعد تستجيب بالقدر الكافي للتحولات المعرفية والثقافية
والتكنولوجية الراهنة، فضلاً عن كثافة بعض المضامين وما تفرضه من ضغط زمني على
الأستاذ والمتعلم.
وثانيها
صعوبات مرتبطة بالواقع المدرسي، من قبيل الاكتظاظ، وتفاوت المستويات المعرفية
واللغوية، وضعف بعض المكتسبات المرتبطة بالقراءة والتحليل والتعبير والحجاج، فضلاً
عن محدودية الوسائل والموارد الرقمية المتاحة.
أما
المستوى الثالث فيرتبط بالتحولات التي يعرفها المتعلم نفسه؛ إذ أصبح الأستاذ أمام
جيل رقمي يتعامل مع المعرفة بسرعة، ويحصل على المعلومات من مصادر متعددة، لكنه
يحتاج إلى تنمية قدرته على التمييز بين المعرفة والرأي، وبين الحقيقة والمعلومة
الزائفة. وهذا يفرض تجاوز النموذج التقليدي للدرس، والانتقال إلى بيداغوجيا تجعل
المتعلم مشاركاً في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلقٍّ لها.
هل ما زال التلميذ ينظر إلى الفلسفة كمادة
أساسية في بناء شخصيته الفكرية أم إنه بات يدرسها من أجل اجتياز الامتحانات فقط؟
أعتقد
أن الأمر يجمع بين النزعتين، لكن هناك مؤشرات على تنامي النزعة الامتحانية في
التعامل مع المادة، نتيجة طبيعة نظام التقويم وثقافة النجاح التي تجعل بعض
المتعلمين يختزلون الفلسفة في حفظ المفاهيم ومواقف الفلاسفة ومنهجيات تحليل النصوص
والقولة والسؤال.
ومع
ذلك، لا ينبغي تحميل المتعلم مسؤولية هذا الوضع؛ فالمدرسة ومناهجها وطرائق تقويمها
تتحمل جزءاً أساسياً من المسؤولية. عندما يشعر التلميذ بأن الفلسفة تساعده على فهم
ذاته ومجتمعه والعالم الرقمي الذي يعيش فيه، وعلى مناقشة قضايا الحرية والعدالة
والهوية والعلم والتكنولوجيا والبيئة، فإنه يكتشف قيمتها الحقيقية.إن الرهان هو
الانتقال من فلسفة الامتحان إلى فلسفة الحياة، ومن تعلم أجوبة جاهزة إلى امتلاك
القدرة على طرح الأسئلة وبناء المواقف وتبريرها بالحجة.
ما طبيعة الدور الذي تضطلع به الجمعية
المغربية لمدرسي الفلسفة في الدفاع عن المادة وعن حقوق مدرسيها؟
تضطلع
الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة بدور تربوي وعلمي وترافعي، يتجاوز الدفاع عن
المصالح المهنية المباشرة إلى الدفاع عن مكانة الفلسفة داخل المدرسة والمجتمع. فهي
فضاء وطني لتجميع المدرسات والمدرسين، وتبادل الخبرات والتجارب، وتطوير الممارسة
الديداكتيكية، والمساهمة في النقاش العمومي حول قضايا التربية والتكوين.
ومن
موقعنا كجمعية، نعتبر أن الدفاع عن أستاذ الفلسفة هو في الوقت نفسه دفاع عن جودة
التعليم الفلسفي وعن حق المتعلم في الاستفادة من مدرس متخصص ومؤهل. وقد جعلنا من
قضية الخصاص الوطني، الذي يناهز ألف أستاذ، إحدى أولويات الترافع المؤسساتي، إلى
جانب المطالبة بتجديد المنهاج والبرامج والكتب المدرسية والتقويم.
كما
نحرص على بناء علاقة مؤسساتية مسؤولة مع الوزارة والأكاديميات الجهوية، قوامها
الحوار وتقديم المقترحات والمساهمة في إصلاح المدرسة المغربية.
ما المشاريع والبرامج التي تعتزم الجمعية
تنفيذها خلال المرحلة المقبلة؟
تعتزم
الجمعية العمل على برنامج متكامل، في مقدمة أولوياته إطلاق ورش وطني لإعادة
التفكير في تدريس الفلسفة بالمغرب، بمشاركة الأساتذة والمفتشين والباحثين
الجامعيين والفاعلين التربويين.
ويتضمن
هذا الورش مراجعة المنهاج والبرامج والكتب المدرسية التي تجاوز عمرها عشرين سنة،
وإعادة بناء مضامينها بما يتلاءم مع التحولات المعاصرة، وخاصة قضايا الذكاء
الاصطناعي والبيئة والبيوتكنولوجيا والعدالة الرقمية والهوية والمواطنة وحقوق
الإنسان.
كما
نطمح إلى تطوير موارد تعليمية رقمية، وإحداث فضاءات لتبادل التجارب والممارسات
الجيدة، وتنظيم ندوات وطنية وجهوية ولقاءات تكوينية لفائدة المدرسات والمدرسين.ومن
المشاريع الأساسية أيضاً بلورة تصور جديد لتقويم التعلمات الفلسفية، يوازن بين
المعرفة المفاهيمية والقدرة على الإشكلة والتحليل والتركيب والحجاج والإبداع. كما
سنواصل الترافع من أجل معالجة الخصاص في الموارد البشرية، والدفاع عن الحقوق
المهنية والاجتماعية لمدرسي الفلسفة.
هل يمكن القول إن الفلسفة أضحت ضحية
اختيارات تربوية تعطي الأولوية لمواد دراسية أخرى ذات صلة مباشرة بسوق الشغل؟
إلى
حد كبير، يمكن الحديث عن هيمنة تصور نفعي وتوجيهي للتعليم، يربط قيمة المواد
الدراسية بمدى ارتباطها المباشر بسوق الشغل والمردودية الاقتصادية. ولا نعترض على
أهمية التكوين العلمي والتكنولوجي والمهني، بل نعتبره ضرورة أساسية للتنمية، لكننا
نرفض اختزال وظيفة المدرسة في إعداد اليد العاملة وتلبية حاجيات السوق.
فالمدرسة
مطالبة بتكوين الإنسان والمواطن، وليس فقط تأهيله مهنياً. ومن هنا تبرز أهمية
الفلسفة باعتبارها مجالاً لتكوين العقل النقدي، وترسيخ الاستقلالية الفكرية، وفهم
التحولات الاجتماعية والسياسية والعلمية والأخلاقية.بل إن التحولات التي يفرضها
الذكاء الاصطناعي وسوق الشغل الجديد تجعل الفلسفة أكثر ضرورة، لأنها تساعد الإنسان
على مساءلة الغايات والقيم والآثار المترتبة عن التقدم التكنولوجي.
كلمة أخيرة:
إننا
لا نطالب فقط بإنقاذ مادة دراسية من التهميش، بل ندعو إلى إعادة الاعتبار للبعد
الإنساني والعقلاني والنقدي في المدرسة المغربية. ومن هذا المنطلق، نعتبر أن إصلاح
تدريس الفلسفة ينبغي أن يكون جزءاً من إصلاح شامل للمدرسة، يقوم على تجديد المعرفة
والمناهج وطرائق التدريس والتقويم.
فالمنهاج
الذي صُمم لجيل ما قبل الثورة الرقمية لا يمكن أن يستمر بالتصورات والأدوات نفسها
مع جيل يعيش في عالم الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والتدفق اللامتناهي
للمعلومات.
نحن
بحاجة إلى فلسفة جديدة في المدرسة المغربية، لا بمعنى التخلي عن التراث الفلسفي
الإنساني، بل بمعنى تجديد علاقتنا به، وجعله قادراً على محاورة أسئلة الحاضر
واستشراف المستقبل. فالرهان ليس أن يتعلم التلميذ ماذا قال الفلاسفة فقط، بل أن يتعلم
كيف يفكر فلسفياً، وكيف يصبح فاعلاً حراً ومسؤولاً في عالم سريع التحول.


.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق